الصفحة الرئيسية البطريركية الأبرشيات الاكليريكيات الرهبانيات الأديرة ليتورجيا
 
التراث السرياني
المجلة البطريركية
المطبوعات الكنسية
إتصل بنا
النص الكامل لموعظة غبطة أبينا البطريرك في القداس الذي احتفل به في كاتدرائية سيّدة النجاة في بغداد، العراق، بمشاركة أصحاب الغبطة بطاركة الشرق الكاثوليك

 

    يطيب لنا أن ننشر فيما يلي النص الكامل للموعظة التي ألقاها غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، خلال القداس الذي احتفل به غبطته في كاتدرائية سيّدة النجاة في بغداد، العراق، بحضور ومشاركة أصحاب الغبطة بطاركة الشرق الكاثوليك، وذلك مساء يوم الإثنين 26 تشرين الثاني 2018: 

 

"طوبى للمساكين بالروح لأنّ لهم ملكوت السماوات...

طوبى لكم إذا اضطهدوكم..."

 

    نشكر صاحب الغبطة والنيافة الكردينال لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك بابل للكنيسة الكلدانية الذي يستضيف هذا العام الإجتماع السادس والعشرين لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، الذي يشارك فيه من مصر صاحب الغبطة بطريرك الإسكندرية لكنيسة الأقباط الكاثوليك ابراهيم اسحق سدراك، ومن لبنان صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار بشاره بطرس الراعي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، وصاحب الغبطة كريكور بدروس العشرون كبرويان كاثوليكوس بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك، ومن سوريا صاحب الغبطة يوسف العبسي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، ومن الأردن والأراضي المقدسة المطران وليم شوملي، ممثّلاً سيادة رئيس الأساقفة بيير باتيستا بيتزابللا، المدبّر البابوي لكنيسة اللاتين في أورشليم. 

    إخوتي البطاركة والأساقفة الجزيلي الاحترام

Son Excellence Mgr Alberto ORTEGA,    

Nonce Apostolique en Iraq et en Jordanie    

    حضرات الخوارنة والكهنة والراهبات والرهبان الأفاضل

    حضرات الحضور الكرام من مسؤولين مدنيين وعسكريين

    أيّها الإخوة والأخوات المباركون...

    جئنا وكلّنا شوق لرؤيتكم، كما يشتاق الآباء إلى أبنائهم وبناتهم بالرب. جئنا لنفتتح روحياً هذا الإجتماع التاريخي في أرض الرافدين، محتفلين معكم بذبيحة القداس الإلهية في كنيستكم "كاتدرائية سيّدة النجاة – أمّ الشهداء"، الشاهدة لإنجيل المحبّة والسلام، والشهيدة من أجل الرب يسوع مخلّصنا.

    أتينا لنصلّي معكم ونقيم بفخر واعتزاز الذكرى الثامنة لاستشهاد الكاهنين الشابّين ثائر ووسيم، ومعهما عشرات المؤمنين من أطفال وشبّان وشابّات، ومن أمّهات وآباء، امتزجت دماؤهم بدم الحمل الفادي في هذه الكاتدرائية التي أضحت للعالم أجمع، رمزاً فريداً للتضحية القصوى بالذات، المقبولة لديه تعالى، من أجل نشر السلام والعدالة والأخوّة والمساواة، في العراق وفي سائر بلدان المنطقة.

    وكما يذكّرنا مار بولس في رسالته الثانية إلى التسالونيكيين، فنحن مع رعاتكم ومدبّريكم الروحيين: "لا ننفكّ نذكر ما أنتم عليه من نشاط الإيمان وجهد المحبّة وثبات الرجاء بربّنا يسوع المسيح..." (1 تسالونيكي 1: 2-3). لقد ثبتّم رغم الأخطار والتحدّيات، في بلدكم الغالي أرض ما بين النهرين العريقة، لكي تشهدوا، لحضارة العيش الواحد في المحبّة والعدالة والسلام، أساساً لا غنى عنه للمواطنة الصحيحة بين جميع مكوّنات شعبكم المتطلّع إلى مستقبل مشرق.

    جئنا نتعلّم منكم "الصبر في الرجاء"، وأنتم تتعالون على المحنة المروّعة، وتسعون بصدقٍ لعيش إنجيل التسامح والإنفتاح على إخوتكم وأخواتكم الذين يقاسمونكم هموم هذه المرحلة الصعبة ليخفّفوا من وقعها، وفي مقدّمتهم الجيران الأوفياء في الكرّادة وبغداد، كرخها ورصافتها الذين، مع المسؤولين المخلصين، قد تعاطفوا معكم قولاً وفعلاً، حتّى يأتي يوم ندعو أن يكون قريباً، فيه ينبعث وطنكم من رماد العنف الحاقد والظالم، ومن الفوضى التي تعيثُ فساداً، ناشرةً الرعب بين المواطنين الأبرياء، بجرائم مريعة هدفها التنكيل والإقتلاع والتهجير.

    وندعوكم مرّةً أخرى، أيّها الأحبّاء، كي تجدّدوا، رغم معاناتكم الأليمة، ورغم بشاعة الشرّ وهول الآلام التي أحدقت بكم، فعل "الرجاء فوق كلّ رجاء" بالعناية الإلهية. رجاء يجعلنا واثقين بأنّ التضحية التي قدّمها شهداؤنا وجرحانا لن تمرّ عبثاً، بل لا بدّ وأن تثمر خيراً ونِعَماً لبلدكم الحبيب ولشعوب مشرقنا قاطبةً. 

    نحن معكم واثقون بأنّ الله سبحانه وتعالى، الذي خلقنا جميعاً ويرعانا بمحبّته وعدله من دون تمييز، لا بدّ وأن يصغي لتنهّداتكم ويستجيب إلى تضرّعاتكم، فينعم عليكم بولادة عراقٍ جديد يضحي مثالاً بمؤسّساته المدنية وبالديمقراطية الحقّة التي تطمئن وتحمي جميع مواطنيه دون تمييز.

    لقد أنبأَنا الرب يسوع مراراً أننا، وكأتباع وتلاميذ له، سنتعرّض للإضطهاد، وسنواجه الحروب والمحن والضيقات، فمنحنا الطوبى. لكنّه أكّد لنا أننا باتّكالنا عليه سننتصر، إذ قال "ثقوا إني قد غلبتُ العالم".

    وها هو رسول الأمم مار بولس يشدّد على أنّ لا شيء يقدر "أن يفصلنا عن محبّة المسيح"، لا ضيق ولا خطر ولا شدّة، لأنه "إن كان الله معنا، فلا أحد يقدر علينا". نعم، إنها ملء التعزية بالرب يسوع، فمعه لا خوف ولا وجع ولا حزن، بل هو "يوجد من المحنة خلاصاً"، ويحوّل حزننا إلى فرح، ما دمنا متّكلين عليه، لأنّ "من يتّكل عليه لا يخيب".

    علينا، أيّها الأحبّاء، أن نذكّر المسؤولين المدنيين أنّ مسيرة بلادنا ومستقبلها الحضاري، لا ولن يتحقّق إلا باحترام حقوق جميع المواطنين حسب "شرعة حقوق الإنسان" التي سنّتها منظّمة الأمم المتّحدة. وهي شرعةٌ تفرض على جميع الدول الأعضاء واجب تأمين الحرّيات المدنية والدينية للمواطنين كافةً. والحقيقة كما ينبّهنا قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر أنه: "لن يكون هناك سلام وعدل في عالمنا إن لم تُحترَم الحرّيات الدينية للجميع".

    إنّ إيماننا المشترك بالإله الواحد، خالق الكون ومدبّره، عليه أن يوحّد قلوبنا ويشركنا في بناء الوطن الواحد في العيش الفاعل والمتفاعل، والمؤسَّس على مبدأ المواطنة الواحدة للجميع. إنها حضارة المحبّة، إليها يدعونا اليوم شهداؤنا وجرحانا، فلا نخيّب أملهم. على مثالهم لنكن "صانعي السلام"، فنستحقّ أن نُدعى "أبناء الله".

    يتغنّى آباؤنا السريان بالشهداء الذين سفكوا دماءهم الطاهرة على مذبح الشهادة حبّاً بالمعلّم الإلهي وتولّهاً به، فها هو مار أفرام السرياني يحلّق في سماء الروح، ويقول:

    ܣܳܗܕ̈ܶܐ ܠܢܶܫܪ̈ܶܐ ܕܳܡܶܝܬܽܘܢ܆ ܘܡܶܢ ܐܳܐܰܪ ܩܰܠܺܝܠܺܝܬܽܘܢ. ܕܩܳܪܶܐ ܒܝܰܡܳܐ ܥܳܢܶܝܬܽܘܢ܆ ܘܰܒܝܰܒܫܳܐ ܬܽܘܒ ܐܺܝܬܰܝܟܽܘܢ. وترجمتها: "أيّها الشهداء، إنكم تشبهون النسور، وتحلّقون في الفضاء مثلهم. فمن يدعو من البحر تجيبونه، وعلى الأرض أنتم حالّون أيضاً".

    ومن هذا المكان المقدس حيث يفوح أريج الشهادة، نرفع صلاتنا إلى الرب يسوع كي يؤهّلنا لنصل إلى اليوم المبارك الذي فيه يتمّ إعلان تطويب شهدائنا الأبرار ورفعهم على المذابح، ليشفعوا فينا وبجميع المؤمنين، وتزهر شفاعتهم أماناً وسلاماً وحياة.

    نمجّدك أيّها المسيح ربّنا وإِلهنا، مُشَرِّف الشهداء والشهيدات القدّيسين، ومُعَظِّم المعترفين والمعترفات الأمناء. أولئك الذين ساروا على خطاك فرحين، وأفاضوا دماءهم قرابين نقيةً على مذبحك المقدس، وفي هذه الكنيسة الشاهدة على محبّتك، فأصبحت دماؤهم بذار الإيمان، ونالوا ميراث ملكوت السماء، إِيَّاك نمجّد ولك نسجد مع الآب السماوي في وحدة الروح القدوس، تحت حماية أمّنا مريم العذراء سيّدة النجاة، آمين.

 

إضغط للطباعة